مجمع البحوث الاسلامية

32

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

قال : ] هذه الآية من أعلام نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنّه دعاهم إلى المباهلة ، فأبوا منها ورضوا بالجزية ، بعد أن أعلمهم كبيرهم العاقب أنّهم إن باهلوه اضطرم عليهم الوادي نارا ، فإنّ محمّدا نبيّ مرسل ، ولقد تعلمون أنّه جاءكم بالفصل في أمر عيسى . فتركوا المباهلة وانصرفوا إلى بلادهم ، على أن يؤدّوا في كلّ عام ألف حلّة في صفر وألف حلّة في رجب ، فصالحهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك بدلا من الإسلام . قال كثير من العلماء : إنّ قوله عليه السّلام في الحسن والحسين عليهما السّلام لمّا باهل : نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وقوله في الحسن : « إنّ ابني هذا سيّد » مخصوص بالحسن والحسين أن يسمّيا ابني النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم دون غيرهما ، لقوله عليه السّلام : « كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلّا نسبي وسببي » ، ولهذا قال بعض أصحاب الشّافعيّ فيمن أوصى لولد فلان ولم يكن له ولد لصلبه وله ولد ابن وولد ابنة : إنّ الوصيّة لولد الابن دون ولد الابنة ؛ وهو قول الشّافعيّ . ( 4 : 104 ) أبو حيّان : أي يدعو كلّ منّي ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة ، وظاهر هذا أنّ الدّعاء والمباهلة بين المخاطب ب ( قل ) وبين من حاجّه . وفسّر على هذا الوجه « الأبناء » بالحسن والحسين ، وب « نسائه » فاطمة ، و « الأنفس » بعليّ . قال الشّعبيّ : ويدلّ على أنّ ذلك مختصّ بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مع من حاجّه ما ثبت في صحيح مسلم من حديث سعد ابن أبي وقّاص ، قال : لمّا نزلت هذه الآية : تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ . . . دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاطمة وحسنا وحسينا ، فقال : « اللّهمّ هؤلاء أهلي » . وقال قوم : المباهلة كانت عليه وعلى المسلمين ، بدليل ظاهر قوله : نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ على الجمع ، ولمّا دعاهم دعا بأهله الّذين في حوزته . ولو عزم نصارى نجران على المباهلة وجاؤوا لها ، لأمر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم المسلمين أن يخرجوا بأهاليهم لمباهلته . وقيل : المراد ب ( أَنْفُسَنا ) : الإخوان ، قاله ابن قتيبة ، قال تعالى : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ الحجرات : 11 ، أي إخوانكم . وقيل : أهل دينه ، قاله أبو سليمان الدّمشقيّ . وقيل : الأزواج . وقيل : أراد القرابة القريبة ، ذكرهما عليّ بن أحمد النّيسابوريّ . [ إلى أن قال : ] وقد طوّل المفسّرون بما رووا في قصّة المباهلة ومضمونها أنّه دعاهم إلى المباهلة ، وخرج بالحسن والحسين وفاطمة وعليّ إلى الميعاد ، وأنّهم كفّوا عن ذلك ورضوا بالإقامة على دينهم وأن يؤدّوا الجزية ، وأخبرهم أحبارهم أنّهم إن باهلوا عذّبوا . وأخبر هو صلّى اللّه عليه وسلّم أنّهم إن باهلوا عذّبوا . وفي ترك النّصارى الملاعنة لعلمهم بنبوّته شاهد عظيم على صحّة نبوّته . [ إلى أن قال : ] وفي الآية دليل على المظاهرة بطريق الإعجاز ، على من يدّعي الباطل بعد وضوح البرهان بطريق القياس . [ ثمّ قال مطالب يأتي في « ن ف س » ، إلى أن قال : ]